ابن أبي الحديد

64

شرح نهج البلاغة

فلما أراد قيس أن يرتحل ، وضع عشرين ثوبا من ثياب مصر ، وأربعة آلاف درهم عند امرأة الرجل ، وقال لها : إذا جاء صاحبك ، فادفعي هذه إليه ، ثم رحل ، فما أتت عليه إلا ساعة حتى لحقه الرجل صاحب المنزل على فرس ، ومعه رمح ، والثياب والدراهم بين يديه ، فقال : يا هؤلاء خذوا ثيابكم ودراهمكم . فقال قيس : انصرف أيها الرجل ، فإنا لم نكن لنأخذها . قال : والله لتأخذنها فقال قيس : لله أبوك ألم تكرمنا وتحسن ضيافتنا فكافأناك ! فليس بهذا بأس . فقال الرجل : إنا لا نأخذ لقرى الأضياف ثمنا ، والله لا آخذها أبدا . فقال قيس : أما إذ أبى ألا يأخذها فخذوه ( 1 ) ، فوالله ما فضلني رجل من العرب غيره . قال إبراهيم : وقال أبو المنذر مر قيس في طريقه برجل من بلى ، يقال له : الأسود ابن فلان ، فأكرمه ، فلما أراد قيس أن يرتحل وضع عند امرأته ثيابا ودراهم ، فلما جاء الرجل دفعته إليه ، فلحقه فقال : ما أنا بائع ضيافتي ، والله لتأخذن هذا أو لأنفذن الرمح بين جنبيك ! فقال قيس : ويحكم خذوه ! قال إبراهيم : ثم أقبل قيس حتى قدم المدينة ، فجاءه حسان بن ثابت شامتا به ، وكان عثمانيا ، فقال له : نزعك علي بن أبي طالب وقد قتلت عثمان ، فبقي عليك الاثم ، ولم يحسن لك الشكر . فزجره قيس وقال : يا أعمى القلب يا أعمى البصر ، والله لولا ألقى بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك ثم أخرجه من عنده . قال إبراهيم : ثم أن قيسا وسهل بن حنيف ، خرجا حتى قدما على على الكوفة فخبره قيس الخبر وما كان بمصر فصدقه . وشهد مع علي صفين ، هو وسهل بن حنيف قال إبراهيم : وكان قيس طوالا أطول الناس وأمدهم قامة ، وكان ( 2 ) سناطا أصلع شيخا شجاعا مجربا مناصحا لعلى ولولده ، ولم يزل على ذلك إلى أن مات .

--> ( 1 ) ساقطة من ب ( 2 ) السناط : الذي لا لحية له .